
الجذور النضالية والمسار الدبلوماسي التاريخي للعلاقات الجزائرية الناميبية
أولاً: الجذور التاريخية والعهد الثوري المشترك
تضرب العلاقات الثنائية بين الجزائر وناميبيا بجذورها في عمق النضال الأفريقي المشترك ضد الاستعمار والتمييز العنصري "الأبارتايد"؛ إذ تأسس هذا المحور الاستراتيجي على تضامن عقائدي متين إبان مرحلة الكفاح المسلح لتحرير القارة الأفريقية.
- تأسيس حركة "سوابو" (SWAPO) والاحتضان الجزائري: تأسست منظمة شعب جنوب غرب أفريقيا "سوابو" (SWAPO) في أبريل من عام 1960 تحت قيادة الزعيم التاريخي سام نوجوما. وفي إطار سياستها القومية والتحررية، بادرت الجزائر في عام 1963 باحتضان أحد أول المكاتب التمثيلية لحركة "سوابو" في الخارج لتمكينها من قيادة تحركاتها الدبلوماسية والسياسية الدولية.
- شرارة الكفاح المسلح والإمداد العسكري الجزائري الأول: في عام 1963، قدمت الجزائر لحركة "سوابو" أول شحنة من الأسلحة الحربية كمساعدات عسكرية مباشرة. وقد شكلت هذه الشحنة الدعامة اللوجستية الأساسية التي مكنت "جيش التحرير الشعبي لناميبيا" (PLAN) من إطلاق رصاصته الأولى وتدشين كفاحه المسلح ضد قوات الاحتلال في المعركة التاريخية الأولى التي دارت رحاها في 26 أغسطس 1966 في منطقة أوموغول وغومباشي (Omugulu-gwoombashe) شمال ناميبيا.
- التأهيل والتدريب العسكري الميداني: لم يقتصر الدعم الجزائري على الإمداد بالسلاح، بل امتد ليشمل برامج تدريب عسكرية متكاملة في الكليات الحربية الجزائرية لصالح إطارات وقادة جيش التحرير الناميبي. ومن أبرز هذه الشخصيات التاريخية الراحل ديمو هامامبو (Dimo Hamaambo)، القائد العسكري الثاني لجيش التحرير (PLAN)، الذي تلقى تكوينه العسكري المتقدم في الجزائر، مقتفياً في ذلك خطى الرموز الأفريقية الكبرى مثل نيلسون مانديلا وسامورا ماشيل.
- الحماية السيادية والوثائق الثبوتية: في مرحلة اتسمت بملاحقة وتضييق القوى الاستعمارية على القيادات الوطنية النامية، وفرت الدولة الجزائرية حماية قانونية وسيادية لعدد كبير من قادة حركة "سوابو" عبر إصدار جوازات سفر جزائرية (عادية ودبلوماسية) لتسهيل تحركاتهم الدولية وتأمين تنقلاتهم. وكان من بين المستفيدين من هذه الرعاية السيادية الرئيس الناميبي الأسبق سام نوجوما نفسه، بالإضافة إلى قادة بارزين تولوا لاحقاً حقائب وزارية سيادية في ناميبيا المستقلة (مثل وزارات الداخلية، والإعلام، والإسكان والبلديات)، فضلاً عن رئيس أركان الجيش الناميبي، ونائب رئيس الجامعة الوطنية.
- الإيواء والتعليم وبناء الكوادر: منحت الجزائر وضع "اللاجئ السياسي" للمواطنين الناميبين الفارين من بطش نظام التمييز العنصري، وفتحت أمامهم أبواب المدارس والجامعات والمؤسسات الاقتصادية الوطنية للدراسة والعمل وبناء الكفاءات التي تولت لاحقاً قيادة مفاصل الدولة عقب الاستقلال.
ثانياً: التأسيس الدبلوماسي والمحطات الرسمية الأولى
توجت هذه المسيرة التحريرية الطويلة بإعلان استقلال جمهورية ناميبيا، لتنتقل العلاقات الثنائية فوراً من إطار التضامن الثوري إلى إطار العمل الدبلوماسي المؤسساتي الراسخ.
- إعلان العلاقات الدبلوماسية الرسمية: تم الإعلان رسمياً عن تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية وجمهورية ناميبيا في 21 مارس 1990، وهو اليوم نفسه الذي شهد الإعلان الرسمي والبروتوكولي عن استقلال ناميبيا.
- تأسيس البعثة الدبلوماسية الجزائرية في ويندهوك: تجسيداً لعمق الروابط الثنائية، بادرت الجزائر بفتح سفارتها في العاصمة الناميبية ويندهوك في أغسطس 1992. وقد قدم أول سفير جزائري معتمد أوراق اعتماده رسمياً إلى رئيس الجمهورية الناميبية في 2 ديسمبر 1992.
- إرساء اللجنة الثنائية المشتركة للتعاون: بهدف مأسسة التبادل الاقتصادي والثقافي، وقّع وزراء خارجية البلدين في 24 يونيو 1995 بمدينة أديس أبابا (إثيوبيا)، على هامش قمة منظمة الوحدة الأفريقية (OAU)، على اتفاقية إنشاء اللجنة الثنائية المشتركة للتعاون الاقتصادي والتقني والثقافي والعلمي. وقد دخلت هذه الاتفاقية حيز التنفيذ القانوني والفعلي في 23 مايو 2000 عقب استكمال وتبادل وثائق التصديق الدبلوماسية الرسمية بين البلدين.
- الزيارة الرئاسية التاريخية لعام 1998: قام رئيس الجمهورية الجزائرية آنذاك، الرئيس اليمين زروال، بزيارة دولة رسمية إلى جمهورية ناميبيا في الفترة الممتدة من 4 إلى 7 سبتمبر 1998. وقد تُوّجت هذه الزيارة بإصدار بيان ختامي مشترك أكد على عمق العلاقات السياسية والالتزام بتطوير آليات التنسيق والتبادل المشترك بين العاصمتين.
ثالثاً: ترسيخ العمل البرلماني والمؤسساتي المشترك
شهد العقد الأول من الألفية الثالثة سلسلة من الزيارات الرسمية رفيعة المستوى التي ساهمت في مأسسة الحوار السياسي والبرلماني بين البلدين وتدعيم أركان التفاهم المشترك:
- الزيارة الرسمية لرئيس الجمعية الوطنية الناميبية (يوليو 2008): بدعوة من نظيره الجزائري، قام الدكتور ثيو-بن غوريราบ (Dr. Theo-Ben Gurirab)، رئيس الجمعية الوطنية الناميبية والشخصية التاريخية البارزة في حركة "سوابو"، بزيارة رسمية إلى الجزائر في الفترة من 20 إلى 23 يوليو 2008. وساهمت هذه الزيارة في توطيد العلاقات بين المؤسسات التشريعية للبلدين وتكللت بتأسيس المجموعة البرلمانية للصداقة الجزائرية-الناميبية وتنسيق المواقف في المحافل البرلمانية الدولية والإقليمية.
- الزيارة الرسمية لوزير الخارجية الناميبي (أكتوبر 2008): قام وزير الشؤون الخارجية لجمهورية ناميبيا، ماركو هوسيكو (Marco Hausiku)، بزيارة رسمية إلى الجزائر في الفترة من 26 إلى 28 أكتوبر 2008. وتمخضت هذه الزيارة عن تبادل مذكرات تفاهم ثنائية تهدف لتعزيز آليات التشاور الدبلوماسي المنتظم وتفعيل لجان التنسيق المشتركة بين وزارتي خارجية البلدين.
رابعاً: الثوابت الدبلوماسية المشتركة ومواقف التضامن العقائدي
يقوم صرح العلاقات الجزائرية الناميبية على أرضية صلبة من التوافق المبدئي والعقائدي إزاء القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وهو ما يترجمه التنسيق الوثيق والمنظم بين البلدين في أروقة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي.
- الدفاع عن حق تقرير المصير والتحرر الأفريقي: يشترك البلدان في إيمان مبدئي راسخ بضرورة التصفية الكاملة للاستعمار في القارة الأفريقية والعالم. ويبرز هذا التوافق التاريخي من خلال الدعم اللامشروط والدفاع المشترك في كافة المنابر الدولية عن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وفقاً للقرارات الأممية ذات الصلة والاتفاق الاستراتيجي المشترك بين البلدين. كما يتشارك البلدان ذات الموقف العقائدي المبدئي الداعم للحقوق التاريخية والمشروعة للشعب الفلسطيني في نيل حريته واستقلاله.
- رعاية الذاكرة التاريخية المشتركة: يعبر المسؤولون الناميبيون، في مختلف المحافل الدبلوماسية والخطابات الرسمية والمناسبات الوطنية، عن امتنانهم التاريخي والأبدي للجزائر واعتزازهم بالمحطات النضالية المشتركة وبإسهام الدولة الجزائرية الفاعل في تحرير شعوب الجنوب الأفريقي بصفة عامة والشعب الناميبي بصفة خاصة.

